الحبيب عكي
أين منا جلال وهيبة تلك السنوات الماضيات، حيث كان التلميذ تملؤه مشاعر الفخر والاعتزاز، لمجرد أنه كان يدرس العلوم وتوجه إلى إحدى التوجهات العلمية، على جلال قدرها، وأهمية معارفها ومتعة تجاربها، واستعمالها المكثف والضروري واليومي في الحياة العامة،..
في تشكيل العقلية العلمية للتلميذ.. ونحت أسلوبه المنطقي في التفكير والتعاطي مع المشكلات والبحث عن الحلول للمستجد من الحالات.. في تعلم البرهنة والاستدلال والاستنباط والاستقراء.. والتحليل والتركيب والتفكيك والملاحظة والاستنتاج على نهج ( Claude Bachelard : O.H.E.R.I.C).. في الحكم على صحة الفرضيات والخلاصات من خطئها.. فإذا بالبرعوم اليافع وسيرا على نهج أساتذته وقدواته في علوم الرياضيات.. الفيزياء والكيمياء.. علوم الحياة والأرض.. يصول ويجول في مختلف طرق التحليل.. الطريقة العبثية (l’absurde) التقابلية (la contraposée) التكرارية (récurrence) التحليل والتوليف (analyse-synthèse).. يقنعك عند المناقشة.. يحيرك عند السؤال.. يبهرك عند الإجابة.. يحنتك أنت والسبورة عند المشاركة، وفي كل شيء يمارس بالعفوية والسليقة عمق التفكير وبراعة التحليل.. ومهارة حل المشكلات وفن اتخاذ القرارات.. واقتحام المستجدات، ويجعل كل من يراه لا يملك إلا أن يقول: فعلا، كانت هناك دراسة.. وكانت هناك مردودية.. واستفادت منها الأجيال؟.
اليوم مع تقدير كل المجهودات المبذولة، لم يعد شيء يسعف على ذلك، ولا حتى على نصفه أو ربعه أو شيء من ذلك، فما الذي حصل؟، وكيف فقدت المدرسة المغربية وهج تدريس العلوم، وربما، إلى درجة أصبح فيها سعي التلميذ إلى الظهور بالشغب، أفضل عنده من الظهور بشيء يسمى العلوم أو الآداب؟، وربما، إلى درجة أصبح فيه التوجيه إلى (Sciences Cuisines) و (Sciences Promenades) يساوي عنده التوجيه إلى العلوم التجريبية والعلوم الرياضية والتكنولوجيا والمعلوميات.. إن لم يكن مقدما عليها أفراد الهدر المدرسي وجماعات الفصل وجحافل التكرار؟. وبالتالي، لا غرابة أن يفقد المجتمع بحبوحة ما كانت تسمى بالتخصصات العلمية والوظائف التقنية والرقمية على أهميتها وتميزها ووفرتها آنذاك، لا غرابة أن نفقد بالأخص مساراتها العلمية تقليدية كانت أو مستجدة، مع ما يتيحه ذلك من استكمال الدراسات العليا في شعبة من شعبها ومسلك من مسالكها، مع ما يؤدي إليه ذلك أيضا عند الجادين والطموحين من البحث العلمي والتجارب والابتكارات التي تنهض فعلا بتنمية الوطن وتبصم على تقدم الأمة ومساعدة الإنسانية في معاركها ضد التخلف والانحراف، بدل المفترى عليه اليوم من أوهام النهوض والتنمية البشرية بمشاريع "السانجير" و"الهندية" والماعز والخرفان والأرانب والدجاج؟.
